على وتر الفقيهة البحرينية … آية الله لميس ضيف

استهلت الفقيهة البحرينية الكاتبة آية الله لميس ضيف مقالها اليومي في جريدة الوقت هذا اليوم بشتم القراء و نعتهم بأبشع النعوت في تهنئة سمجة وضيعة لا تتناسب مع الشهر الفضيل الذي هلّ هلاله و بدأت خيراته و أفضاله. و على عكس جميع المهنئين الذين يرسلون أعذب الباقات و التبريكات، فقد أرسلت الفقيهة البحرينية أعنف النعوت و الشتائم ليس بالمجان بل بمثمن مدفوع. الموضوع الذي تناولته في مقالها هو موضوع لا يحق الكلام فيه إلا لذوي الشأن و الإختصاص كما أنه موضوع محسوم سلفا و ليس تكرار الكلام فيه إلا علامة على الإفلاس و الخواء. الاختلاف في تشخيص الحكم الشرعي بشأن رؤية الهلال بين اعتماد الحسابات الفلكية، و بين الرؤية بالعين المجردة و بين الرؤية بالعين المسلحة، هي مسألة فقهية بحتة لا يجوز التخاصم فيها إلا بين الفقهاء ذوي الإختصاص و ذوي الشأن و ذوي الشرعية الإلهية في إصدار الفتاوى، كما أنها من الوجبات التي لم يعد يهتم بها إلا محبي الفتنة و محبي الشتات. فسكوت الجميع عن إثارة هذا الأمر و ترك الأمور تمشي بصورتها الطبيعية لن يثير أي حساسية و لن يقلب أي مواجع. إلا أن الفقيهة البحرينية الصاعدة، سوبر آية أبت إلا أن تدلوا بدولها –دون طلب من أحد- و أن تعرض استدلالاتها الفقهية الراقية في هذا الأمر التخصصي البحت.

أما عدد الفتاوى التي أصدرتها في مقال اليوم فقد جاوز الثلاث فتاوى. الفتوى الأولى كانت من نصيب الفقهاء و العلماء الأجلاء الذين هم دعامات للدين و رواة لحديث سيد الأوصياء و المرسلين حيث قالت “ما عاد يحجزنا عن حلم الاتفاق على يوم عيد وصيام إلا نفر من العقول المتحجرة التي تخلط السياسة بالدين، وتريدنا أن نكون أمتين لتحظى بالسيادة و الولاية إلى أبد الآبدين” و هذ بذلك أفتت إلى أن جميع الفقهاء الذين يتمسكون بحكم وجوب الرؤية بالعين المجردة هم من أصحاب العقول المتحجرة المتلاعبة بالدين و المؤمنين في سبيل حصولها على السيادة و الولاية. و كم هذا القول البذيء خطير بحق العلماء و الأجلاء من الطائفتين الكريمتين بل من كل الطوائف؟

أما فتواها الثانية فقد كانت بإسقاط أي حجة للفقهاء و العلماء ورواة الحديث و ذوي الاختصاص في التمسك بالحديث الشريف القائل “صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته” حيث تسائلت “لا ندري بأي وجه فهم الحديث على أنه يعني التماس الهلال بالعين المجردة حصرا و عدم جواز سحبه على رؤية العين بالتلسكوب و المنظار”. حيث أسقطت بذلك كل الاستدلالات الفقهية على امتداد العالم الإسلامي.

أما الفتوى الثالثة فكانت في سلخ جميع الفتاوى المتعلقة بالرؤية سواء كانت الرؤية بالعين المجردة أم بالعين المسلّحة و إثبات أن مدار الاعتبار في ثبوت الهلال من عدمه هو الحسابات الفلكية التي أقرها الله سبحانه و تعالى – حسب رأيها الفقهي الخاص- و الذي تنص عليه الآية الكريمة “الشمس و القمر بحسبان” حيث استدلت سوبر آية أن في ذلك إشارة إلى علم الفلك، و أضافت “لو أن تقنياته –أي الفلك- وصلت في عهد الرسول الكريم لما وصلنا له اليوم لما تردد الأولون في استخدامه”.

الكارثة أن الفقيهة البحرينية لم تكتفي بإظهار جهلها الكبير بحقيقة الفتوى الفقهية بل أظهرت جلها العميق بالمسائل العلمية المتعلقة بالفيزياء الفكلية و جهلها العميق المتعلق بتاريخ علم الفيزياء. فكيف ادّعت الفقيهة أن المجتمعات البشرية في ذلك الوقت لم تكن على علم و معرفة بالحسابات الفلكية كما هي عليه مجتمعات اليوم؟ هل تجهل الفقيهة بحقيقة بناء الإهرامات في مصر و استنادها على الحسابات الفكلية الدقيقة جدا في تحديد منازل شروق الشمس و غروبها على مدار أيام العام؟ أم أنها تجهل حقيقة الإنجازات العظمى التي قامت على أيدي الإغريقيين في مجال الفلك و تحديد مواقع النجوم و تحديد منازل القمر و رسم الأفلاك و الأجرام؟ كيف تجرؤ الكاتبة على الإدعاء أن مجتمعات ذلك اليوم كانت أعجز من أن تحدد منازل القمر بالحسابات الفلكية؟ بل كيف تجرؤ على التطاول على نبي الأمة الذي هو عالم بكل شيء في أنه ترك أمته في جهل و اختلاف بشأن تحديد مواعيد الهلال؟ هل تجزم الفقيهة بأن سكّان مكة المكرمة كانوا يفطرون في نفس اليوم الذي كان يفطر فيه سكّان المدينة المنورة؟ فإذا قالت لا لعدم وجود وسائل الإتصال و معرفة مدى ثبوت الهلال في هذا البلد و ذلك، فإذا يمكن القول أن النبي “ص” قد قصّر في أداء مهامه و توحيده للأمة و جعلها في شتات بشأن العيد و ذلك بسبب عدم تعليمه لهم بسبيل من خلاله يمكنهم أن يتوحدوا بشأن هلالهم، خصوصا أن مكة و المدينة لم تكونان بعيدتين بشكل كبير، و أن بإمكان الحساب الفلكي آنذاك أن يوحدهما؟

أضف إلى ذلك تخبط الكاتبة في خصوصيات النظرة الفقهية لموضوع الهلال، حيث تارة تسخّف بالرأي القائل بضرورة الرؤية بالعين المجردة و أنه حسب رأيها لا يوجد سبب يمنع عن الرؤية بالعين المسلحة، و تارة تدّعي أن الحسابات الفلكية لا بد أن تكون هي المدار في تعيين يوم العيد. بإمكان أي شخص له معرفة بتفاصيل الفتوى و تفاصيل الخلاف أن يفرّق بين الأمرين. فتارة يكون الخلاف في هل أن المراد هو تحقق الرؤية أو أن المراد هو تحقق وجود الهلال فقط و إن لم تتحقق الرؤية؟ فمن يتمسك بالرأي الأول حينها يبحث في هل أن الرؤية محصورة بالعين المجردة أم ممكنة بالعين المسلحة أيضا؟ أما من يتمسك بالراي الثاني فهو لا يقف بين هذا الخلاف بل يتعدّاه إلى عدم الحاجة للاستهلال أيضا بل يكفي العلم بوجود الهلال في السماء في هذا الوقت حتى و إن لم يتمكن أحد من رؤيته. و هذا ما لم يكن واضحا لدى سوبر آية التي خبصت في كلا الرأيين و الفتوتين.

ثم، إذا كان انزعاج البعض من موضوع العيد فقط لأن الفرحة ستكون موزعة على يومين أو أن الإفطار سيكون في يومين، فبإمكان من يريد أن يفطر مع المفطرين المسبّقين أن يقوم بقطع مسافة شرعية و يفطر إفطارا شرعيا و يستمتع بالطعام و اللعب مع الآخرين ثم يصوم بدل ذلك اليوم صياما قضاءا مجزيا بحكم جميع الفقهاء، و لن يضرّه صيام ذلك اليوم شيئا حيث أن كثيرا من المسلمين يصومون ستتة أيام من شوال.

إلا أنني أود أن أشير إلى حقيقة أن فلسفة العيد في الإسلام أكبر بكثير من مسالة الفرحة المشتركة و مسالة التجمع على مائدة طعام في يوم واحد. فهذا الفهم هو فهم سطحي تافه لفلسفة العيد، فلو كانت تلك هي الفلسفة لما كان هناك حاجة لهذا التزامن بين شهر الصيام و بين يوم العيد، و كان بالإمكان أن يكون العيد في أي يوم من أيام السنة حيث لن يكون عليه خلاف أو نقاش أو حرج من صيام أو إفطار حرام. من المؤكد أن فلسفة العيد أبعد من ذلك بكثير، و ليس أدل على ذلك من كون العيد يأتي متوجا لثلاثين يوما من الصيام و الصلاة و الإستغفار و الدعاء و المناجاة. و أن العيد تكريما للتائبين الطائعين و هو عيد لمن قبل الله صيامه و غفر ذنوبه و  أخرجه من شهر رمضان كيوم ولدته أمه. و هنا حقيقة العيد، فهل يهمني كثيرا إن كان غفران الله سبحانه و تعالى عني تمّ في يوم الأربعاء أو يوم الخميس؟ يوم الجمعة أو يوم السبت؟ أمس أو غد؟ أم أن ما يهمني هو حقيقة الفوز بغفران الله و محو الذنوب و السيئات؟  

ختاما، نصيحة لكل عديم اختصاص أن لا يقحم أنفه فيما لا يعنيه لأن لا يجعل من نفسه سخرية و أضحوكة. و نصيحة لكل كاتب أن لا يتهجم على قراءه بطريقة سمجة سخيفة تحتقر معتقداتهم و ثوابتهم. و نصيحة لكل مؤمن أن يهتم كثيرا لحقيقة العيد و التي هي غفران الذنوب و التي ليست مجرد احتفاليات و موائد.

Advertisements

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: