الرد الثاني على فريد حسن: في ذوي العقول اللبيبة

أن تكثر الاحتجاجات في البلد ضد التمييز و الظلم و التفرقة و السياسات الإنمائية غير الناجحة، و الوضع المعيشي الخانق و تدني مستوى القدرة الشرائية للمستهلك البحريني، و عجز المواطن عن توفير أسس و متطلبات العيش الكريم من أرض و بيت و مسكن لائق، و أن لا يجد المواطن في وطنه ما يغنيه عن اللجوء إلى سواه، و أن تتجاوز الاحتجاجات حد المواطن العادي لتصل إلى المواطن المسؤول، و تتجاوز المواطن من ذوي الدخل المحدود لتصل للمواطن من المستوى المتوسط، كل تلك الإفتراضات عندما يصل إليها حال البلد فذلك لا يعني أبدا أن هناك نظرة واقعية ثاقبة لدى الحكومة في إدارة شؤون البلد. خصوصا عندما نعلم عين اليقين أن بعض هذه المشكلات كانت و لا تزال منذ قيام الحكومة.

أضف إلى ذلك، أن المجلس النيابي عندما يضج و يأن مما يسميه عدم تعاون الحكومة، و عندما تتكرر الدعوات من داخل المجلس النيابي إلى الحاجة إلى حجب الثقة عن الحكومة في حال فشلها في إدارة الملفات، و عندما يصف أعضاء المجلس النيابي أن الحكومة تعمل من دون برنامج عمل واضح، و عندما ينسحب المجلس النيابي بكامله و يعتصم لمدة ساعة اجتجاجا على سلوكيات الحكومة و عندما يقف المجلس النيابي في مرات متكررة للشكوى من التعالي الحكومي على المجلس النيابي، عندما تكون كل تلك و غيرها هي الواقع، فذلك لا ينم أبدا عن أن هناك نظرة واقعية ثاقبة لدى الحكومة في إدارة شؤون البلد.

أضف إلى ذلك، أن تحتكر حكومة واحدة عرش الحكم منذ استقلال البلد و إلى اليوم أي إلى ما يناهز النصف قرن، و أن تتكدس الكرش على الكراسي بالرغم من كل الفضائح و الفساد ما كشف منه و ما لم يكشف، و أن تعيش هي نفسها بوجوهها و بشخوصها و بكروشها فترة القمع و تكبيل الحريات و خنق الأنفس و امتلاء السجون و طرد المواطنين و سحق الكرامات و عذابات السجون و عذابات الأمهات، أن تعيش الحكومة نفسها المسؤولة عن كل تلك الممارسات كل تلك الحقبة و تمتد في عمرها إلى ما يفترض به أن يكون عمر إصلاح و فترة إصلاح و تكفير عن الأخطاء و المساوئ السابقة، و أن تتعز مراكز المسؤولين عن تلك الحقبة، و أن يصدر بحقهم قانون يحميهم و يجعلهم فوق المحاسبة و دون المحاكمة، و أن تبقى تلك الحكومة مترصدة للشعب و ملاحقة لحرياته و صلاحياته في كل موقع، و أن تبىقى تنتهز أي أزمة و أي مشكلة للتلويح بالأيام الخوالي، فذلك لا ينم أبدا عن أن هناك نظرة واقعية ثاقبة لدى الحكومة في إدارة شؤون البلد.

بإمكان السيد رئيس التحرير المسؤول في جريدة الوقت أن يكتب المجلدات من المقالات و المؤلفات في النظرة الحكومية الثاقبة ، و بإمكانه كتابة الآلاف من المقالات عن غباء و خواء و مرض و ضيق عيون المواطن البحريني و عقله، لكن ليس بإمكانه قط أن يغير الحقائق و أن يمحو الأرقام الصارخة الضاجة بالتمييز و الظلم و الإقصاء الذي ترعاه الحكومة. الأمور و المشاكل العالقة لا تعالجها المقالات المتملّقة و لا الوصوف الساخرة من آراء المواطنين. فكما جاء في مقال الدكتور عبدالهادي خلف و الذي نشرته جريدة الوقت يوما “لولاهم لما كنت”. الأمور العالقة لا يمكن معالجتها إلا بالوقوف الصارخ أمامها و الصراخ في وجه الخطأ على أنه خطأ و الإنحناء للصحيح على أنه صحيح. و لا يوجد خطأ أكبر في هذا الوطن من خطأ احتكار السطلة طول هذه المدة، و العالم مليء بالقصص و الأحداث و المآسي التي كانت نتيجة لهذا السبب.

و ليتذكر رئيس التحرير المسؤول، أن تراثنا الإسلامي مليء بالدعوة إلى قول الحق و التزام الحق و عدم التزلف و التملق خصوصا عند السلطان، فمرة يقول “قل الحق ولو على نفسك” و مرة يقول “الساكت عن الحق شيطان أخرس” و أخرى يقول ” أكبر الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”. فمن يقل كلمة الحق، و يعبر عنها أي تعبير يناسبه و يناسب مستواه، ليس هو ذو العقل المريض، بل هو ذو العقل اللبيب. أما من يعرف كلمة الحق و لكنه يخفيها و يظهر غيرها، و من يعلم موضع الحق و لكنه يتغاضى عنه و يذهب إلى غيره، فذلك هو ذو العقل المريض و هو المحتاج إلى علاج.

ختاما، بإمكانك و إمكان الجميع أن يرجع إلى إرشيف الصحف و المجلات الصادرة في السبعينات و الثمانينات و التسعينات ليتتبع ما كان يقوله أصحاب المقالات في تهجم على الشعب و على خياراته و على ممارساته و ما كانت تصف به أبناء هذا الشعب من نعوت الإرهاب و التخريب و الغباء و الجهل و المرض و التآمر، التي كنا نقرأها مع قهوة كل صباح، و لنسأل أنفسنا: ماذا نفعتنا تلك المقالات؟ و إلى أين أوصلتنا؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: