حديث الخطايا و الذنوب

قرأت هذا الموضوع في مدونة “لبيك يا فقيه” و هي مدونة جميلة جدا من حيث التصميم و المضمون. الواضح أنها صممت لتكون مكتبة جامعة لتوثيق البيانات و الأخبار و التقارير التي صاحبت التعدي السافر على العلماء الأجلاء و ما تلته من أحداث لن تنساها البحرين. المدونة نشرت موضوعا قيّما جدا يستحق القراءة و التمعن، و هو من تأليف سماحة الشيخ عيسى أحمد قاسم تحت عنوان “حديث الخطايا و الذنوب” يتناول فيه شرحا جميلا لبعض المقاطع من مناجاة الإمام زين العابدين عليه السلام. أقوم بنشره للفائدة و لنسهم جميعا في نشر ثقافة التوبة.

 

بقلم سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم

الدعاء والمناجاة رافد عظيم لحياة الروح، وإنقاذها من حالة الضياع، والخمول والذبول، وموت الذكر وانطفاء النور، ولا سبيل لحياة روح بلا هدى، ولا تجد روح غذاءها من غير عبادة ومناجاة وقرآن وتأمّل ودعاء، غذاء الروح ونورها وهداها وحياتها وحيويتها في انفتاحها على بارئها، واستلهامها من جلاله وجماله وكماله، واستهداف رضاه لتتحلّى بحظّ محدود وإن جلّ من الكمال.

والانفتاح من القلب على الله عزّ وجلّ، وازدهاره بأنوار الإيمان، واستقباله فيوضات الهدى الإلهي، وتحلّيه بعطاءاتها يحتاج إلى تثوير شعوره بعلاقة العبودية والربوبية، وانفعاله بها، والطريق إلى ذلك نشاط الروح في عبادتها وذكرها ودعائها ومناجاتها لربّها العظيم الكريم. والكلمة تأتي من أهل البيت عليهم السلام دعاءً أو مناجاة أو غير ذلك فلا تأتي إلا صادقة دقيقة معبّرة، مؤمنة واعية عالمة، لا يخالط إسلاميتها مخالط، ولا صفاءها مكدّر، ولا علمها شوب من جهل، ولا خطابها مع الله العظيم شيء من سوء الأدب مما يمكن أن يقع فيه الآخرون. وإنهم خير من دعا وناجى الرب الجليل من أبناء هذه الأمة، وأطهرهم قلبا، وأنقاهم روحا، وأزكاهم نفسا، وأقومهم لسانا، وأصدقهم في مقام العبودية الإرادية لله تبارك وتعالى. وهم خير من وقف من انسانها على دقائق النفس، وخصائص الروح، وأحوال القلب، ودفائن الشعور، وتقلّبات الذوات، وما يعتري الإنسان من علل داخله، وأجواء معنوياته، ومن وساوس وهواجس وتخيّلات وتوهّمات تشطّ به عن الصراط.وكذلك على ما يعالج فيه هذا الضعف ويقوّم معوجّه بما آتاهم الله عزّ اسمه من علم خاص، وألهمهم من نور المعرفة، وفتح عليهم من أبواب الهدى والبصيرة.

لذلك كان في الصادر عنهم عليهم السلام من دعاء ومناجاة كنوز لا يستغني عنها الناس، ولا يوجد ما بقيمتها في ما ثبت عن آخرين، وهي ضرورية لتربية الروح وهداها، وإطلاقها من أسر هوى النفس، وإضلال الشياطين، وتنقيتها مما يلحقها أَسَنٍ وعفن، وإيقاظها مما يعتريها من غفلة ووَسن، والارتفاع بها مشاعر وطموحات وتطلعات ونشاطا إلى الأفق الرفيع الكريم. دعاؤهم ومناجاتهم وكلماتهم وهداهم خير ما يعين النفس المريضة المبتلاة، وكذلك النفس السالكة بمراتبها المختلفة على العودة إلى الله عز وجل ومواصلة السعي إليه، والمضي بعزم قوي، وبصيرة ونور على صراطه. نعم، دعاؤهم ومناجاتهم وكلماتهم هي كذلك بعد كتاب الله العزيز الحكيم، والكلام الخارج عن مشكاة نور قلب رسول الله صلى الله عليه وآله الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. فهما وما ألهم الله الكريم منبع النور الذي يتدفّق من قلوب أهل العصمة من أهل البيت عليهم السلام، وتشعّ به كلماتهم.

 

وزين العابدين عليه السلام الذي هو أحد أئمة الهدى من آل رسول الله صلى الله عليه وآله قد قدّم للأمة زادا فكريا وروحيا نقيّا كريما صادقا وافرا كلّه هدى ونور وصراط قويم، ولقد أثرى جانب الروح إثراءاً هائلاً بما رشح عن قلبه المتولّه بالله، وروحه المملوكة لحبّه، المجذوبة إليه من إشعاعات هادية، وإضاءات منيرة تحيي النفوس، وتوقظ القلوب، وتقوم لها الأرواح من موت أو سبات. إشعاعات وإضاءات دالّة، ونسائم ولطائف منعشة، وهدايات ثرّة، وعلاجات ناجعة يغنى بها دعاؤه ومناجاته، وذكره الجميل المنقطع لله، المشغول به عن ما سواه. له عليه السلام من الوصال الصادق للقلب الصافي بالله، وانفتاح الروح أكبر انفتاح وأعمقَه وأشفّه على الله قطافُ ثمارِ روحيّة يانعة، كريمة رائعة، لذيذة طاهرة، نقية مؤنسة، ممتعة زاكية راقية، رافعة معلية ما كان بها قمّةً روحيّة سامقة يعشقها السالكون إلى الله، ويبذلون الجهد الجهيد على طريقها، لكن ما يعييهم أنها فوق ما يحاولون.

وكل بيت أهل العصمة عليهم السلام قمم روح سامقة تُعشق ولا تُنال. ولنأخذ في شيئ من الاستظلال الروحي، واستنارة العقل، واستضاءة القلب، واستراحة النفس في وقفة مع مناجاة التائبين للإمام زين العابدين عليه السلام ولو في بعض كلمات يسيرة. وإن يكن شيئ من هذا فإنما هو بقدر القامة القصيرة القاصرة للمتكلّم لا بما عليه امتداد قامة المناجاة وتعاليها وعطاؤها، وما تزدحم به من إضاءات هدى، وتشعّ به من أنوار إيمان بالغ ويقين، وتحكي عنه من نفس شفّافة لئلآة كريمة، وروح ملَهِمَة تتسع كثيرا لفيوضات النور، وهدايا الكرامة الإلهية الفريدة العالية.

الإمام و المناجاة:

هذا نموذج من كلمات الإمام زين العابدين عليه السلام في المورد المذكور “إلهِي أَلْبَسَتْنِي الْخَطايا ثَوْبَ مَذَلَّتِي، وَجَلَّلَنِي التَّباعُدُ مِنْكَ لِباسَ مَسْكَنَتِي، وَأَماتَ قَلْبِي عَظِيمُ جِنايَتِي”. فالإمام زين العابدين عليه السلام يشكو من موت القلب بالخطايا. “اللَّهُمَّ إِنَّهُ يَحْجُبُنِي عَنْ مَسْأَلَتِكَ خِلَالٌ ثَلَاثٌ ، وَ تَحْدُونِي عَلَيْهَا خَلَّةٌ وَاحِدَةٌ يَحْجُبُنِي أَمْرٌ أَمَرْتَ بِهِ فَأَبْطَأْتُ عَنْهُ ، وَ نَهْيٌ نَهَيْتَنِي عَنْهُ فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ…”. “بَلْ أَقُولُ مَقَالَ الْعَبْدِ الذَّلِيلِ الظَّالِمِ لِنَفْسِهِ الْمُسْتَخِفِّ بِحُرْمَةِ رَبِّهِ . الَّذِي عَظُمَتْ ذُنُوبُهُ فَجَلَّتْ ، وَ أَدْبَرَتْ أَيَّامُهُ فَوَلَّتْ”. “هَذا مَقَامُ مَنْ تَدَاوَلَتْهُ أَيْدِي الذُّنُوبِ ، وَقَادَتْهُ أَزِمَّةُ الْخَطَايَا ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ، فَقَصَّرَ عَمَّا أَمَرْتَ بِهِ تَفْرِيطَاً، وَتَعَاطى مَا نَهَيْتَ عَنْهُ تَعْزيراً، “. ومن هذا كثير في كلماتهم عليهم السلام في ما نقرأه عن الأنبياء والرسل والأئمة عليهم السلام من نسبة المعصية إلى أنفسهم في معرض الدعاء والمناجاة إلى الله سبحانه إلى الحدّ الذي قد يبدو معه ارتكابهم لأبشع المعاصي والذنوب، وحاشاهم أن يكونوا كذلك. وأسأل الله لي ولكم التوفيق.

وإليك هذا التقريب بشأن مثل هذه الكلمات والله العالم.


1. الأنبياء والرسل عليهم السلام معصومون عند كل مسلم، وأئمة أهل البيت عليهم السلام معصومون، ومن لم يرَ لهم من جمهور المسلمين هذا المقام الثابت لهم فهو لا ينزل بهم عن أرفع منازل العدالة التي يمكن أن تثبت لغيرهم والتي لا ينسجم معها الانغماس في الذنوب، والابتلاء الشديد بها كما قد يظهر من بعض النصوص التي جرت على لسانهم عليهم السلام. وسيرتهم العملية كانت بمنأى واضح جدّاً عن التلوّث بالمحرَّمات وحتّى المكروهات، وإن جاز أن يأتي المكروه على يد المعصوم عليه السلام نادراً لبيان أصل المشروعية للفعل. وهذا كلّه يُبرهن بصورة قاطعة أن كلماتهم عليهم السلام التي تُسجِّل الاعتراف بالذنب في ظاهرها لا تتحدث أبداً عن الذنوب بمعناها المتداول الذي يمثّل معصية لله عزّ وجلّ. وعليه فلابد من تفسير مقبول لهذه الكلمات في ظلّ واقع عصمتهم ونزاهتهم العالية.
2. ينبغي أن نتذكر بأن ليس احد من العباد مهما أوغل في طاعة الله، وبالغ في أداء واجب العبودية، وحق الربوبية بقادر على أن يفي بحقّ الله سبحانه، ومن هنا ينفتح باب الحاجة إلى الاستغفار حتى من مثل الرسول وأهل بيته الكرام عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام.
3. إن حياة الروح تختلف ضعفاً وقوة كحياة البدن بل تفاوُتها أشدّ وأعظم، وضعف حياة البدن ينعكس على نشاطه وإحساساته ولذائذه، وكذا ضعف حياة الروح بالنسبة لنشاطها ومشاعرها ولذائذها. وإذا قويت حياة البدن أو الروح زاد نشاطها وشعورها وتلذّذها بما يناسبها، وألمها لما تفقده من لذّات.


لذلك تجد من ناحية قضايا الروح من يمارس أقبح القبائح وأفظع الجرائم من دون أن يشعر بأدنى إثم، أو يؤلمه ضمير، أو يستوحش مما هو فيه. وتجد آخر يُحسن الصنع، ويُخلص الطاعة هذا حتى على المستوى العرفي، وعلى مستوى العلاقات بين الناس فيما بينهم. ويكثر الاجتهاد، في الخير وهو يشعر بالتقصير، والحاجة الدائمة إلى الاستغفار من قلّة العمل، ويخاف من شوب النية.
والروح النورانية الشفَّافة عشَّاقة للمزيد، تعيش التطلع الدائم إلى الكمال الذي لا يجد أحد إليه سبيلاً إلا بعبادة الله، وطلب التقرب إليه، وإنه ليشق على النفوس الزكية العالية أن تذهب لحظة من حياة أهلها في حلال الدنيا دون أن تتشبع بروح عبادية مخلَصة لله العظيم حيث يرون أن حياتهم في الدنيا لا لها وإنما للآخرة ولاستتمام كمال الروح والوصول به إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه، ولا كمال إلاّ على طريق الله وفي عبادته والتقرب إليه. ولو حجَّ المعصوم حجّاً مبروراً مشكوراً مثلاً لكنّه لم يمش إليه حافي القدمين لا لضرورة لشعر بالتقصير، وتعمّق عنده الشعور بذلك، وعدّ ما حدث له ذنباً، وتساهلاً، وتفريطاً.ولو أعطى الفقيرَ رغيفاً وأبقى لسدّ جوعته ما يزيد عليه بنصف رغيف لحكم على نفسه بأنه لم يبذل في سبيل الله كما ينبغي.


ولو أعطى لنفسه مشتهى طيّباً حلالاً فوق معتاده مما لا تدعو إليه ضرورة، ولا تدفع إليه حاجة صحّية ملحّة، أو طلب قوة في البدن لرأى أن في ذلك ما يُتاب إلى الله منه، وأن لحظة أمضاها في تلك اللذة العابرة – وإن كانت حلالاً طيّباً – هي من الخسار.
فالمعصومون عليهم السلام لا يأتون ذنوباً مما يأتيه النّاس من الذنوب، ولكنّهم يستعظمون الخسارة، وتكبر مصيبتهم، ويفرّون إلى الله سبحانه أن اكتفوا في وقت بدرجة من الطاعة كان يسعهم ولو بمشقة أن يأخذوا بأشدّ منها.هذه صورة عمّا كان يشكو منه الأئمة عليهم السلام، ويقسون على أنفسهم في دعائهم إلى الله ومناجاتهم بسببه يرونه من أنفسهم تقصيرا وتفريطا.

لماذا التوبة؟


هناك عبودية قهرية لا وجود ولا حياة للإنسان بدونها وهي عبوديته التكوينية لله سبحانه، والتي لا خيار له فيها.
وتترشح من أرض هذه العبودية عبودية إرادية هي عبوديّةٌ رحمةٌ، وشرفٌ، ومعراجُ كمال للإنسان، ولا كمال له، ولا سعادة ينالها عن غير هذا الطريق، وإذا استكبر على هذه العبودية خسر معناه وكماله وسعادته.

ومن بعد العبودية لله هل تحب أن تكون حرّاً أو عبداً؟ والحرية ليست في أن تكون إرادة الإنسان ملغاة، وأن يكون محكوماً لشهوته. إن الحمار الهائج وراء أنثاه لا يمارس حريةً لإرادته وإنما هو عبد الغريزة، والذئب الفتّاك بفريسته لا يغنى في هذه الممارسة بحرية الإرادة إنما هو مغلوب لدافعه. وكل محمول على كفّ عفريت من دوافعه المادية وغرائزه البهيمية لا يُعدّ حرّاً في النظر المُمعن وإنما هو عبد قنّ مسلوب الإرادة معطّل الاختيار بدرجة كبيرة ولو بسوء اختيار سابق.والآن يأتي دور هذا السؤال: متى نقع في المعصية، ومتى نتوب منها؟ سلْ مُدْمِنَ الخمر، ومن شقَّ جبهته عظمُ جدار في زمن رسول الله صلَّى الله عليه وآله لرؤية حرام أذهلته، ومرتكب الفواحش، والمغتاب والنمام والسبّاب ومن تنطلق منهم كلمة السوء الضّارة لا يستطيعون أن يحبسوها وهي على طرف ألسنتهم. سلهم أيملكون موقفهم أم أن موقفهم عليهم مملوك؟ وسل الجاني بالقتل، وكلّ ذي معصية هل تأتي معصيته من تحكيم عقل، من وحي ضمير، من عرض للممارسة على القيم، عن موازنة دقيقة بين المصالح والمفاسد القريبة منها والبعيدة، من حالة تفكير هادئ، وتأمّل كاف، من تغليب إرادة على هوى، من دراسة لتجارب الآخرين، واستعراض كل النتائج والعواقب للمعصية، من نفس صامدة مقاوِمة، من تذكّر لنصح الله للعباد، لاستحضار ذكر الرب، من استحضار ذكر النفس وشرفها، من تذكرخداع الشيطان وعداوته لها، ومن تنبّه للنفس الأمارة بالسوء؟


إن مرتكب المعصية إذا صدقك القول ستعرف منه أن معصيته جاءت في حالة من الفوران العاطفي، الاندفاعة الجنونية للشهوة، انفلات الدوافع المادية، هيجان الغريزة، غليان الحقد، غياب الحكمة، غيبوبة الوعي، النظرة الآنية، نسيان الله سبحانه، الانفصال الشعوري عن القيم، عدم الالتفات إلى العقوبة الأخروية والدنيويّة من عقوبات جسدية ومعنوية كسقوط السمعة والشرف. والكلام عن مرتكبي المعاصي ممن يدين بالدين الذي يحرمها، ويعترف بالقيم والموازين الأخلاقية، والحلال والحرام في حالته العادية التي لا يعاني فيها من الإثارة العنيفة، واستفزاز الدوافع المادية، والضغط الهائل الذي يقع تحت تأثيره. والواحد من هؤلاء العصاة لا يأتي معصيته بما هي خطوة على طريق الكمال والرقي والسمو والرفعة، وإنما يأتيها استجابة للدافع الشرس، وخضوعا لهيمنته.
ولو جئت للطاعة والتوبة لوجدتها تحتاج إلى قرار من عقل ودين يقدم التعب على الراحة، والهدف على اللذة، وإلى إرادة مقاومة كافية للتغلب على عوامل الاسترخاء والضعف والخمول والشهوة لإنجاح قرار العقل في عالم النفس والواقع. فهو قرار حرٌّ مقاوم هادف، واع، وقابل بالتضحية، قائم على بصيرة. وحتى الذي تكون طاعته في سبيل الله ويصل إلى حدّ العشق في الطاعة فإنه لا يفقد وعيه بقيمة الطاعة، وأن فيها كماله الذي هو أغلى شيء في نيران العقل والفطرة.وإذا كانت المعصية من منشأ وضع نفسي انهزامي استسلامي، فإن التوبة إنما هي تمرد على هذا الوضع وخروج من حالة العبودية إلى حالة الحرية، ومن واقع الضعف والاستسلام والهزيمة إلى واقع القوة والمقاومة والنصر.فالتوبة ذات قيمة عالية للتائب من ذنبه لأنها صمود بعد التقهقر، وتماسك بعد الذّوبان، واشتداد بعد الاهتراء، وقوة بعد الضعف، ونصر بعد الهزيمة، وربح بعد الخسارة، وهي عزّ بعد الذّل، وغنى بعد المسكنة كما يراها الإمام زين العابدين عليه السلام. ومن أجل ذلك لابد من التوبة لمن أراد الحرية والقوة والعزة والنصر والتفوق.

وهذه بعد كلمات قصيرة في المعصية نوعاً، ومصداقاً، وفي التوبة منها:

1) في كل معصية توثيق للعلاقة مع الشيطان، ومفارقة لخط الله سبحانه، وفيها فقد نور، ثلمة في الكرامة، هبوط في المستوى، ضعف مناعة، بُعدٌ عن الجنة، قربٌ من النار.
2) أيام المعصية أيام للجدّ ولكن على طريق النار.
3) الإنسان قبل المعصية وزن من إنسانية، وقوة إرادة، وكرامة، وهدى، وإيمان، ونور، وهو بعدها وزن أقل في ذلك إلا أن يتدارك أمره بالتوبة.
4) كأن المتعدّى على عِرض غيره يقول للناس بأن لا مانع عنده من تعدّي الآخرين على عرضه. المتعدي على عرض غيره يفتح بابا للتعدي على عرضه.
5) من عزّ عليه عرضه عزّت عليه أعراض النّاس، ومن هان عليه عرض غيره هان عليه عرضه.
6) يُطمع مرضى القلوب من المرأة أقلُّ ما يشمّ منه بأنها لا تعتزّ بعفافها.
7) الصِبْيَة والصبايا من أشدّ ما يحتاجون إليه الحمايةُ من ذئاب الجنس الحرام وكلابه.
8) فاحشة الزنا واللواط قبيحتان شنيعتان عند الله سبحانه دلّ على ذلك حدُّهما المغلّظ في الإسلام، وتقبيحهما الشرعي الشديد.
9) الفواحش لا تُنجب أجواؤها أمّةً كريمةً، ولا تنبت جيلاً من كبار النفوس، وأصحاب العزائم. فمن أراد أن يهدم أمته فلينشر هذه الرذائل.
10) لمعالي الأمور طريق، وللفواحش طريق، وأحدهما لا يلتقي أبداً مع الآخر.
11) الفاحشة ممارسةٌ دنيئة يَخْبُو منها نورُ الرُّوح ويضؤل ويتوارى حتى ينطمس.
12) يسهل الدخول في نفق المعصية المظلم، ولكن قد يعسر جدّاً أن يخرج منه داخلُه، ويُحرمُ توفيقَ التوبة.

وهذه كلمات قصار سريعة في التوبة:

1. التوبة عودة عقل، وقلب، وضمير، وإرادة من الخطأ إلى الصواب، ومن السفه إلى الرشد، ومن الجهل إلى الحكمة، ومن الكبوة إلى النهضة، ومن الموت إلى الحياة.

2. التوبة ثورة منطلقها الوعي والنضج والصحوة على ضعف الذّات وهزيمتها أمام عوامل الغواية والانحراف.

3. التوبة انتصار كاسح لقوى الخير في الذات، وتفلّت من قبضة الشيطان(6)، وحبائل النفس الأمّارة بالسوء.

4. التوبة وضع حدٍّ لحالة التدهور في المستوى الإنساني عند صاحب المعصية في لحظة من الانتصار للذات.

5. يعود العاصي بتوبته الصادقة نظيفاً بعد قذارته، طاهراً بعد رجسه، مرحّباً به عند المؤمنين بعد طرده.

6. التوبة بعد الفِسق تدشين لرحلة الصعود، والفِسقُ بعد الطاعة تدشين لرحلة السقوط.

7. وراء كل معصية هزيمة للنفس، ووراء كل توبة صادقة ثورة ناجحة منها.

مقاطع المناجاة:
وهذا مطلع المناجاة: (إلهِي أَلْبَسَتْنِي الْخَطايا ثَوْبَ مَذَلَّتِي، وَجَلَّلَنِي التَّباعُدُ مِنْكَ لِباسَ مَسْكَنَتِي، وَأَماتَ قَلْبِي عَظِيمُ جِنايَتِي، فَأَحْيِه بِتَوْبَة مِنْكَ يا أَمَلِي وَبُغْيَتِي، وَيا سُؤْلِي وَمُنْيَتِي…).

“إلهي”:
مع الجملة الأولى من المناجاة: (إلهِي أَلْبَسَتْنِي الْخَطايا ثَوْبَ مَذَلَّتِي): سأتعامل مع هذه الجملة في مضمونها، والمضامين المشابهة لا بما هي صادرة عن الإمام المعصوم عليه السلام. وسيأتي توضيح لوجه صدور هذه الكلمات منه ومن أي معصوم آخر عليهم السلام من بعد ذلك، والتي قد يصل ظاهر بعضها ليس إلى ما ينافي شهادة واقعهم عليهم السلام، والنصوص الثابتة الدالّة على عصمتهم وإجماع المسلمين على أنهم من أعلى قمم الإيمان والتقوى والعمل الصالح فحسب، بل يصل لو نُظر إليه نظرة سطحية بلهاء إلى أنهم وحاشاهم مِن أوضع مستويات أبناء الأمة.

تشعر أن السائل قد أوجعه الالتفات إلى سوء حاله، ولم يطق الألم لخسارة أصابت أعزّ ما عليه روحَه التي يعرج بها إلى كماله، وقلبه الذي يتقرّب به إلى ربّه، وقد دفعه ضيق المعاناة، وعميق الجرح، وشديد الألم إلى أن يطلب من يشكو إليه لوعته، ويبثّه همّه وحزنه، ويصرخ إليه ويستغيثه. ومن يغيث غير الله، ومن ينقذ العبد من مأزقه سواه، وإن كان ذلك الغير من كان، وإن كان قمّة الناس والممكنات جميعا قدرة ورأفة وصلاحا؟! فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن ولا يكون. وبذا لا تحط عين السائل الواعي في شكواه واستغاثته ولجئه على غير الرب القدير العليم الكريم مالك الأمر كلّه، صغيره وكبيره، أوّله وآخره، وكلّ دقيقة فيه، وفي كل آنٍ من أناته، ولحظة من لحظاته. ومن هنا يأتي النداء صادقا حارّا مخلَصا راجياً لاهباً واثقا مطمئنا موقنا، وليس من نداء له كل ذلك وأكثر من ذلك كما هو النداء لله عزّ وجلّ تدفع العبد إليه الحاجة الحرجة الملحّة، والمأزق الضيّق الخانق الذي أيقن بأن لا مُخرِج له منه إلا ربُّه، وعليه تصدّر المناجاة نداء”إلهي”، وليس غير الله يكون اللجأ إليه.

والإنسان وهو مملوك لخالقه ورازقه ومدبِّره لا يمكن أن يجد غِنى ولا قوَّة ولا عزّاً إلا بالتعلق به، والاسترفاد من عطائه، حيث لا يملك لنفسه وهو العبد المملوك حقّاً وصدقاً بكلِّه مخرجاً من ذلّه من عند نفسه، ولا تملك الأشياء كلّها مجتمعة له نفعاً أو ضرّاً وهي في العبودية الشاملة مثلُه.

ويعتري الإنسانَ مع ذلّ الإمكان والحاجة والمحدودية ذلُّ الخزي والعار، والتردِّي الخلقي والانحدار، وهو ذلّ المعصية لله عزّ وجلّ، والاستكبار – الذي لا يكون إلاّ عن سفه وسقوط – على أمره ونهيه وأحكام شريعته، وهو ذلّ يقابل عزّ الطاعة والعبودية الصادقة فيما خُيّر فيه الإنسان وأُقدر عليه، وهو تخيير لا يُخرج الإنسان المملوك كملاً عن رقيّته وقهره وأسره.
وذلّ المعصية يمكن أن يتبدل إلى عزّ الطاعة، وعزُّ الطاعة قد يُعقبه ذلّ المعصية، والإنسان بما أعطاه ربّه سبحاه من قدرة الاختيار قد يلبس ثوب هذا الذل بسوء اختياره، وقد يخلعه. وقد يتزيّن بثوب ذلك العز بحسن اختياره وبفضل من ربّه، وقد يقدم على خسارته، وعودته إلى ذلّه وهوانه.

“أَلْبَسَتْنِي الْخَطايا ثَوْبَ مَذَلَّتِي”:
والمناجاة تتحدث عن أن الخطايا ألبست السائل ثوب المذلة “إلهِي أَلْبَسَتْنِي الْخَطايا ثَوْبَ مَذَلَّتِي” والخطايا التي نأتيها في راحة بال غير آبهين هي التي تلبسنا ثوب المذلّة العارضة لأنها تنفصل بالنفس فكراً وشعوراً عن مصدر العزّة وهو الله الذي لا مصدر للعزّة سواه فتفقد كرامتها التي يمدّها بها ذكر ربّها العظيم واطمئنانها له وتعلّقها به، وتخسر شعور الغنى بعطائه، ولا تجد كفاية، ولا قناعة بما في اليد، ولا قوة ولا حماية تطمئن إليها إذا كانت على صحوة، ولا رضى بالوجود والحياة وأحوالهما وهي لا تركَنُ إلى الحكمة والعدل واللطف وراء التقدير والتدبير بما غاب عنها من معرفة الله وذكره، وبما أنساها فعل السيئات من حكمته البالغة وعدله المطلق ولطفه الذي لا نقص فيه.

الخطايا تنحدر بالنفس سريعاً في اتجاه خسَّتها وصغارها، وتُرخصها حتّى في نظر صاحبها، وتذلُّ وتهون عليه فيسهل عليه أن يبيعها بالأثمان الدنيويّة الرخيصة بعد أن لم يكن لها ثمن في الدين وفي نظره هو نفسه إلا الجنَّة. والنفس بخطاياها تشعر بحقارتها عند الله سبحانه وهو أعز عزيز، وبغضبه عليها، وأن لا مقام لها عنده فيملكها الشعور بالخزي والعار ومذلّة الإثم بين يديه. وذِلةُ النّفس عند الله لا يخفّف من ألمها شيئاً في شعور عبد له شيء من الصحوة أن يعترف الخلق جميعاً بعزّتها. وكيف لا تذلّ نفس بخطاياها وهي تلصقها بالأرض وشهواتها ونزواتها، وتدنو بها من حياة الحيوان ومحدوديتها وضيق أفقها وبهيميتها وضروراتها ومشغلتها، وتبعد بها عن السماء وهداها وعزّتها وعلاها؟!
ومن جهة أخرى قد اختارت المناجاة إسناد الإلباس لثوب الذلة إلى الخطايا وجعلتها هي الفاعل من دون إضافة هذه الخطايا إلى المتكلم فلم تقل المناجاة ألبستني خطاياي مع أن المقام مقام اعتراف. كان المتوقع أن يقول الإمام زين العابدين عليه السلام إلهي ألبستني خطاياي، ولكنه قال إلهي ألبستني الخطايا، من غير أن يسند الخطايا إلى نفسه عليه السلام.
وربما كان ذلك حياء فاختار عليه السلام التدرج للتصريح أخيراً بالتقصير وإدانة النفس وارتكاب الإثم، وليس الإثم المعنيّ ما نقترفه نحن، وتعرفه حياتنا، وشرحه سيأتي، فيما بعد وقد فرضت في بداية الكلام في المناجاة أن صاحبها غيرُ المعصوم عليه السلام. اختار المناجي أن يسند حال السوء عنده إلى التباعد فقال “وَجَلَّلَنِي التَّباعُدُ مِنْكَ لِباسَ مَسْكَنَتِي” وهو تعبير ربما كان أقرب إلى تحمّل المسؤولية من حيث إسناد التجليل إلى التباعد بما هو فعل اختياري، ليأتي التصريح بعد ذلك بتحمل المسؤولية كاملة، وتسجيل الاعتراف الذي لا غبار عليه بالتقصير عندما جاء التعبير واضحاً جداً “وَأَماتَ قَلْبِي عَظِيمُ جِنايَتِي” في إسناد الداعي الجناية إلى نفسه.

“وَجَلَّلَنِي التَّباعُدُ مِنْكَ لِباسَ مَسْكَنَتِي”
يتباعد العبد بأفكاره ومشاعره وهدفه وقوله وفعله بخطاياه عن المصدر الوحيد الذي لا مصدر غيره لوجوده وحياته وخيره ونفعه، فإن لم يمت قلبه تماماً عند ذلك، ولم يدخل شعوره في غيبوبة كاملة شعر بالفقر المتقع والمسكنة المؤلمة المذهلة حيث لا مُطَمْئِنَ له بالغنى من الاعتماد على نفسه، ولا من الاعتماد على أحد غير ربّه، فكل غير الله يموت، وكل شيء غير الله إلى أفول، وكلّ الكائنات لا مخرج لها من مسكنتها الذاتية، وفقر الإمكان إلا أن تنالها من الله رحمة، ويكون لها من لطفه وعطائه رَفْدٌ وإمداد.
وتباعد العبد عن ربّه هو تناقص في قَدْرِه، وهبوط في منزلته، وخسارة من وزنه، وانحدار في ذاته بفعل الخطايا والسيئات التي تُفقده هداه، وتسلبه صفاء روحه، وتأتي على إرادة الخير فيه، حتى لا تُبقي منه جمالَ معرفة، ولا جمالَ خُلق، ولا طهراً ولا نزاهة، ولا قصداً راقياً، ولا هدفاً كريماً، ولا نفساً مستقرّة.
وهو تباعد يغطّي الذات منه لباسُ مسكنة يستوعب شعورها “وَجَلَّلَنِي التَّباعُدُ مِنْكَ لِباسَ مَسْكَنَتِي”. تباعدٌ ينال بأذاه وألمه وهوانه ووحشته كل مسرب من مسارب النفس، وزاوية من زواياها. والنفس إذا سكنها الذّل، واكتست ثوب المسكنة، ولم ترجع إلى مصدر عزّها وغناها ارتكبت كل خطأ، وصدر منها كل خبيث، وتُوقّع لها كلّ شر، وكانت منبع كل سوء، وقادها الضياع من باب ذلّ إلى آخر، ومن طريق مسكنة وهوان وخزي إلى ثان، ولم يكن منها إلا ورود الهلكات.

“وَأَماتَ قَلْبِي عَظِيمُ جِنايَتِي”:
القلب الذي نحيا به حياتنا الروحيّة هو غير القلب الذي نحيا به حياتنا الجسدية، والثاني منظور والأول لا منظور ولا محسوس مطلقاً كالعقل والروح. وبموت العقل الأول يموت الجسد، وبموت القلب الثاني تنتهي الروح وتختفي مظاهرها.

ونعرف أنفسنا أحياء روحيّاً بمظاهر حياة الروح، ويُعرف أحدنا ميّتاً من ناحية روحيّة باختفاء مظاهر الحياة التي تعود إليها.
والقلب الحيّ بحياة الروح تحضر فيه الفطرة، يعرف ربَّه، يُعظّمه، يستحيي منه، يتعلّق به، يقدّمه على غيره، يستغني به عمن سواه، لا يصرف عنه شيء، يميّز بين كثير من الحق وكثير من الباطل، لا يختار باطلاً على حق، لا يتلكأ عن قبول الحقّ، وتقديمه على الباطل، يُكبر القيم المعنويّة ويستمسك بها، يغلب الهوى ولا يغلبه الهوى، يُضحِّي بالآخر من أجل الله، ولا يضحي بما لله فيه رضى من أجل الآخر، ولا يشعُرُ معه صاحبه ما سلمت علاقته بالله، وشعر برضاه بحقارة ولا خسارة، يواصل رحلة كماله على طريق ربّه تقوىً وعبادة وخشوعاً. وكلما زادت هذه المظاهر وقويت عند العبد كلما دل ذلك على غزارة وقوّة واشتداد في حياة القلب.
وكلما خفي شيء من ذلك، أو تراجع في درجته كلما كان في ذلك آيةُ موت بدرجة وأخرى أصاب القلب. وقد يعبَّر عن مشارفة الموت بالموت، واقتراب المنيّة بالمنيَّة. “وَأَماتَ قَلْبِي عَظِيمُ جِنايَتِي” تعبير ينسحب على حالة مشارفة القلب للموت. ولحياة الجسد ما يُبقيها أو يقضي عليها، وكذلك لحياة القلب، وطاعة المولى الحقِّ غذاء لا حياة للقلب بدونه، وموت القلب بمعصية الله؛ فهي سَمُّه وفيها منيَّته.
وكلّما كان الإنسان ماديّاً بدرجة أكبر، وأقرب في حياته إلى حياة البهائم كلّما كان موت الجسد هو الأعظم عليه، وكلما كانت حياته روحانية بدرجة أظهر، وكان إنسانيّا، وحضوره الروحي أشد، وعرف حقيقة نفسه، وشعر بقيمة جانب الروح، وعاش لذة نشاطها، ونوّرت داخله كلما كان أحرص على حياة القلب في بعده المعنوي، و أسخى بحياة البدن من أجل حياته، وكانت المعصيبة عليه أكبر بأذى يمسُّ هذا المستوى من الحياة.
تتعذب حياة أبي ذر وهو غير معصوم إذا مسّ قلبه فتور في علاقته بالله، بما لا يتأذى لمثله إذا قُطعت يده، وآخر يرتكب أكبر الجنايات من غير أن يشعر قلبه بأي أذى، أما لو اقتلع شيء من ظفره الذي تصل إليه الحياة لكانت عنده مصيبة كبرى.
وما من جناية على النفس وظلم لها أشد من إضرار المرء بحياة قلبه، والإساءة إليها، والفتك بها، لما يعنيه ذلك من موت الإنسان بمعناه الكبير، ليكون من بعد منزلته العالية، وفرصه الكبيرة في السعادة الأبدية أضلّ من الأنعام سبيلاً، وفي مستوى حجارة صمّاء يكون معها وقوداً من وقود النّار.
المناجاة في مطلعها شكوى مرّةٌ وعميقةٌ، راجية مؤملة تنطلق من فؤاد محترق إلى الله عزّ جلّ حيث لا مخرج إلا من عنده، ولا يخيب راجيه، ولا يرد سائله.

 

Advertisements

الأوسمة:

رد واحد to “حديث الخطايا و الذنوب”

  1. محمد صالح Says:

    جزاك الله خير

    تحياتي

    http://www.arsh4.com/vb

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: