طرائف العقيدة الديمقراطية البحرينية

 

لكل بلد و مجتمع طرائف، و للبحرين طرائفها السياسية الخاصة بها. فالبحرين فيها نموذج سياسي فريد من نوعه في العالم. فهي بلد صغير جدا في رقعته الجغرافية و لكنه كبير جدا في طموحاته بشتى مجالاتها. فنظام البحرين السياسي هو نظام قبلي من الدرجة الأولى، تحتكر الحكم فيه قبيلة آل خليفة منذ ما يربو على القرنين من الزمان. و لكنه نظام ديمقراطي عتيد. وهو نظام استبدادي من ناحية عدم السماح بالمشاركة في الحكم، و لكنه نظام برلماني متقدم في صيغته السياسية عبر تطبيق نموذج المجلسين. و هو نظام حكيم جدا بحيث أن مجلس الحكماء، عفوا، الشورى المعيّن يفوق في صلاحياته و سلطاته قوة و صلاحيات و سلطات المجلس المنتخب من قبل الناس. و هذا تعبير صريح عن مدى حرص النظام على الاستماع للناس و السماح لهم بالمشاركة في إدارة شؤون البلد، حيث أن ذلك ما ينص عليه النظام الديمقراطي في كل مكان.

العقيدة الديمقراطية البحرينية تكاد تكون البديل الجديد للعقيدة الديمقراطية الفرنسية القديمة. حيث أن العقيدة البحرينية تنص على أن الإصلاح السياسي لا يمكن أن يأتي بطريقة الثورة أو الإنقلابات، إنما يأتي عن طريق التدرج في تطبيق المشاريع الإصلاحية. فالطريقة الثورية أو الإنقلابية لا تسهم في تأهيل الناس لتقبل النظام الجديد بل يكون بطريقة الفرض على الناس و هو شبيه في ذلك بالديكتاتوريات. أما لكي تكون الإرادة حقيقية للإصلاح فلا بد من التدرج. و التدرج في البحرين من حيث التطبيق واضح جدا، فهو تدرج للأسوء و نحو اللا إصلاح. التدرج في البحرين هو تدرج بدون سقف زمني و بدون جدول زمني، فكل مرحلة من مراحل الإصلاح قد تأخذ زمنا يشيخ فيه الرضّع و تضع فيه كل ذات حمل حملها. التدرج في الإصلاح البحريني هو تدرج بحيث ينسى الفرد أنه يعيش في زمن إصلاح و ضمن مشروع إصلاح.

لم تعد مفردة التدرج في الإصلاح التي روج لها المروجون إبان الحملات الدعائية للتصويت على ميثاق العمل الوطني ، لم تعد تطرق أسماع وآذان الناس، حيث أفقدها أصحابها لذّتها و معناها و فحواها و هدفها. الواضح أن ما حصل في البحرين كان نقيضا للعقيدة الديمقراطية البحرينية، و كان خروجا عليها بشكل صارخ. ففي الوقت الذي ترفض فيه العقيدة البحرينية فكرة الثورات الإصلاحية و الإنقلابات الإصلاحية، قاد البعض في هذا البلد ثورة إصلاحية و انقلابا إصلاحيا تسبب في وأد المشروع الإصلاحي و في إقحامه في غيابات من الجبّ حتى إذا أخرج أحدهم يده لم يكد يراها. تلك الثورة و ذلك الإنقلاب كان في الطريقة التي ألغي من خلالها دستور البلاد التعاقدي الشرعي منذ العام 1973 و جيء حينها بدستور جديد بشكل منفرد و بدون شراكة مجتمعية و شعبية و بدون تدرج و بدون تهيئة للناس لتقبل هذا الوليد الكسيح. و بدل أن يحتفل الجميع بالإصلاح بوصول الابن البكر للعملية الإصلاحية، فقد نصب الناس مآتم عزاء و بدأت طبول المناورات السياسية تقرع و دارت مراوح المطاحن السياسية لتطحن أضلع و أحلام و آمال من آمن ومن لم يؤمن بالعقيدة الديمقراطية البحرينية.

و الآن بعد مرور ثمان سنوات على المشروع برمّته، لا تزال القيادات تنادي باستمرار بضرورة الوصول إلى صيغة توافقية و دستور عقدي يلبي طموحات المواطن البحريني الذي أعطى ثقته و صوته للنظام في مشروع ميثاق العمل الوطني، بينما لم يكتف الطرف الآخر بصم أذن و طم أخرى، بل صار يرسل التهديدات ليل نهار و سرا و جهار بأن من ينادي بدستور عقدي فهو خارج على اللحمة الوطنية، و أن القرية التي تطالب بحقوقها ستحرم من التنمية المدنية و أن الموظف الذي يمارس حقه السياسي و دوره السياسي سيفصل من عمله و أن الشاب الذي سيطالب بحقه الشرعي و الدستوري سيحرم من فرصة الالتحاق بوظيفة. لتكون تلك آخر طرفة من طرائف العقيدة الديمقراطية البحرينية.

 

Advertisements

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: